فصل: قال الثعلبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



الثالث: أنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، قاله علي كرم الله وجهه. وتقديره فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض.
وهو معنى قول سعيد بن جبير.
الرابع: ما رواه يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وله في السماء بابان، باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه فبكيا عليه» ثم تلا هذه الآية.
وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه كالمعروف من بكاء الحيوان ويشبه أن يكون قول مجاهد.
الثاني: أنه حمرة أطرافها، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعطاء.
وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما احمر له افاق السماء أربعة أشهر، واحمرارها بكاؤها.
الثالث: أنها أمارة تظهر منها تدل على حزن وأسف. كقول الشاعر:
والشمس طالعة ليست بكاسفة ** تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

{وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: مؤخرين بالغرق، قاله الكلبي.
الثاني: لم ينظروا بعد الآيات التسع حتى أغرقوا، قاله مقاتل.
قوله عز وجل: {ولقد اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ} معناه على علم منا بهم. وفي اختياره لهم ثلاثة أوجه:
أحدها: باصطفائهم لرسالته، والدعاء إلى طاعته.
الثاني: باختيارهم لدينه وتصديق رسله.
الثالث: بإنجائهم من فرعون وقومه.
وفي قوله: {عَلَى الْعَالَمِينَ} قولان:
أحدهما: على عالمي زمانهم، لأن لكل زمان عالمًا، قاله قتادة.
الثاني: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم، حكاه ابن عيسى.
قوله عز وجل: {وءَآتيناهم مِّنَ الآيات مَا فِيهِ بَلاءٌ مُّبِينٌ} فيه ثلاثة أق أو يل:
أحدها: أنه أنجاهم من عدوهم وفلق البحر لهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، قاله قتادة. ويكون هذا الخطاب متوجهًا إلى بني إسرائيل.
الثاني: أنها العصا ويده البيضاء، ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجهًا إلى قوم فرعون.
الثالث: أنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به، قاله عبد الرحمن بن زيد. ويكون الخطاب متوجهًا إلى الفريقين معًا من قوم فرعون وبني إسرائيل.
وفي قوله: {مَا فِيهِ بَلاءٌ مُّبِينٌ} ثلاثة تأويلات:
أحدها: نعمة ظاهرة، قاله الحسن وقتادة كما قال تعالى: {و ليُبْلَي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} وقال زهير:
فأبلاه خير البلاء الذي يبلو

الثاني: عذاب شديد، قاله الفراء.
الثالث: اختيار بيِّن يتميز به المؤمن من الكافر، قاله عبد الرحمن بن زيد.
قوله عز وجل: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقولونَ} يعني كفار قريش.
{إن هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي بمبعوثين قيل: إن قائل هذا أبو جهل قال: يا محمد إن كنت صادقًا في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما قصيّ بن كلاب فإنه كان رجلًا صادقًا، لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات، لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف. فكأنه قال: إن كنت صادقًا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل لوقال: إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء، فلم لا يرجع من مضى من الآباء.
قوله عز وجل: {أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} فيه وجهان:
أحدهما: أهم أظهر نعمة وأكثر أموالًا.
الثاني: أهم أعز وأشد أم قوم تبع.
وحكى قتادة أن تبعًا كان رجلًا من حِمير سار بالجيوش حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها. وحكي لنا أنه كان إذا كتب؛ كتب باسم الله الذي سما وملك برًا وبحرًا وضحًا وريحًا.
وروي عن عمرو بن رجاء عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا تبعًا فإنه كان قد أسلم».
وحكى ابن قتيبة في المعارف شعرًا ذكر أنه لتبع وهو:
منح البقاءَ تقلبُ الشمسِ ** وطلوعها من حيث لا تُمْسِي

وشروقها بيضاء صافية ** وغروبُها حمراءَ كالورْسِ

وتشتت الأهواءِ أزعجني ** سيرًا لأبلغ مطلع الشمسِ

و لرب مطعمةٍ يعود لها ** رأي الحليم إلى شفا لبسِ

وفي تسميته تبعًا قولان:
أحدهما: لأنه تَبعَ من قبله من ملوك اليمن كما قيل خليفة لأنه خلف من قبله.
الثاني: لأنه اسم لملوك اليمن.
وذم الله قومه ولم يذمه، وضرب بهم مثلًا لقريش لقربهم من دارهم، وعظمهم في نفوسهم، فلما أهلكهم الله ومن قبلهم- لأنهم كانوا مجرمين- كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك.
قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: غافلين، قاله مقاتل.
الثاني: لاهين، قاله الكلبي.
{وَمَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحِقِّ} فيه وجهان:
أحدهما: للحق، قاله الكلبي.
الثاني: بقول الحق، قاله مقاتل.
قوله عز وجل: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصَلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} يعني يوم القيامة، وفي تسميته بيوم الفصل وجهان:
أحدهما: إن الله يفصل فيه أمور عباده.
الثاني: لأنه يفصل فيه بين المرء وعمله.
قوله عز وجل: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأثيم} قد ذكرنا ما في الزقوم من الأَق أو يل، وهو في اللغة ما أُكِلَ بكرْه شديد. ولهذا يقال قد تزقم هذا الطعام تزقمًا أي هو في حكم من أكله بكره شديد لحشوفمه وشدة شره.
وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل.
وفي الأثيم وجهان:
أحدهما: أنه الاثم، قاله ابن عيسى.
الثاني: المشرك المكتسب للإثم، قاله يحيى.
قوله عز وجل: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ} فيه خمسة أوجه:
أحدها: فجروه، قاله الحسن.
الثاني: فادفعوه، قاله مجاهد.
الثالث: فسوقوه، حكاه الكلبي.
الرابع: فاقصفوه كما يقصف الحطب، حكاه الأعمش:
الخامس: فردوه بالعنف، قاله ابن قتيبة. قال الفرزدق:
ليس الكرام بناحليك أباهم ** حتى ترد إلى عطية تعتل

{إلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} فيه وجهان:
أحدهما: وسط الجحيم، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة.
الثاني: معظم الجحيم يصيبه الحر من جوانبها، قاله الحسن.
قوله عز وجل: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وفيه أربعة أوجه:
أحدها: معناه أنك لست بعزيز ولا كريم، لأنه قال توعدني محمد، والله إني لأعز من مشى حبليها، فرد الله عليه قوله، قاله قتادة.
الثاني: أنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، قاله قتادة أيضًا.
الثالث: أنه قيل له ذلك استهزاء على جهة الإهانة، قاله سعيد بن جبير.
الرابع: أنك أنت العزيز في قومك، الكريم على أهلك حكاه ابن عيسى.
قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أمين من الشيطان والأحزان، قاله قتادة.
الثاني: أمين من العذاب، قاله الكلبي.
الثالث: من الموت، قاله مقاتل.
قوله عز وجل: {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} فيهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أن السندس الحرير الرقيق، والاستبرق الديباج الغليظ، قاله عكرمة.
الثاني: السندس يعمل بسوق العراق وهو أفخر الرقم، قاله يحيى، والاستبرق الديباج سمي استبرقًا لشدة بريقه، قاله الزجاج.
الثالث: أن السندس ما يلبسونه، والاستبرق ما يفترشونه.
وفي {مُّتَقَابِلينَ} وجهان:
أحدهما: متقابلين بالمحبة لا متدابرين بالبغضة، قاله علي بن عيسى.
الثاني: متقابلين في المجالس لا ينظر بعضهم قفا بعض، قاله مجاهد.
قوله عز وجل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} يعني القرآن، وفيه وجهان:
أحدهما: معناه جعلناه بلسانك عربيًّا.
الثاني: أطلقنا به لسانك تيسيرًا.
{لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: يرجعون.
الثاني: يعتبرون.
{فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ} فيه وجهان:
أحدهما: فانتظر ما وعدتك من النصر عليهم. إنهم منتظرون بك الموت، حكاه النقاش.
الثاني: وانتظر ما وعدتك من الثواب فإنهم من المنتظرين لما وعدتهم من العقاب، والله أعلم. اهـ.

.قال الثعلبي:

{حم والكتاب المبين إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} قال قتادة وابن زيد: هي ليلة القدر، أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السّماء الدّنيا، ثمّ أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام، وقال الآخرون: هي ليلة النصف من شعبان.
أخبرنا الحسين بن محمّد فنجويه، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم، حدثنا إبراهيم المستملي الهستجاني، حدثنا أبو حصين بن يحيى بن سليمان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا أبوبكر بن أبي سبره، عن إبراهيم بن محمد، عن مع أو ية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان ليلة النصف من شعبان، قوموا ليلتها وصوموا يومها، فإنّ الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سمّاء الدنّيا فيقول: ألاّ مستغفر فأغفرله، ألاّ مسترزق فأرزقه، ألاّ مبتلى فأعافيه، ألاّ كذا، ألاّ كذا، ألاّ كذا، حتّى يطلع الفجر، {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ}».
{فِيهَا يُفْرَقُ} يفصل.
{كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} محكم. قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كُلّ أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة، وقال أبو عبد الرّحمن السلمي: يدبر أمر السنة في ليلة القدر، وقال هلال بن نساف: كان يقال: انتظروا القضاء في شهر رمضان.
وقال عكرمة: في ليلة النصف من شعبان، يُبرم فيه أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.
يدل عليه ما أخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا أبو الفرج القاضي، أخبرنا محمد بن جبير، حدثني عبيد بن ادم بن أبي إياس، حدثني أبي، حدثنا الليث، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان. حتّى أنّ الرجل لينكح ويو لد له، وقد خرج أسمه في الموتى».
{أَمْرًا} أي أنزلنا أمرًا.
{مِّنْ عِنْدِنَا} من لدنا، وقال الفراء: نصب على معنى نفرق كل أمر فرق وأمرًا.
{إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} محمد صلى الله عليه وسلم إلى عبادنا.
{رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} وقيل: أنزلناه رحمة، وقيل: أرسلناه رحمة، وقيل: الرحمة.
{إِنَّهُ هو السميع العليم رَبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} كسر أهل الكوفة (بائهُ) ردًا على قوله من ربِك، ورفعهُ الآخرون ردًا على قوله: {هو السميع العليم} وإن شئت على الابتداء.
{إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ} إنّ الله {رَبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} فأيقنوا إنّ محمدًا رسوله، وإنّ القرآن تنزيله.
{لاَ إله إِلاَّ هو يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائكم الأولين بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فارتقب} فانتظر.
{يَوْمَ تَأْتِي السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}.
اختلفوا في هذا الدّخان، ما هو، ومتى هو، فروى الأعمش ومسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، إنّ قاصًا عند أبواب كنده، يقص ويقول في قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} إنّه دّخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الكفّار والمنافقين وأسماعهم وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، فقام عبد الله وجلس، وهو غضبان، فقال: يا أيّها الناس اتقوا الله، مَن عَلِمَ شيئًا فليقل ما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل الله أعلم، فأن الله تعالى، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين} [ص: 86] وسأحدثكم عن ذلك: أنّ قريشًا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم، فقال: «اللَّهم سبع سنين كسنين يوسف» فأصابهم من الجهد والجوع ما أكلوا الجيف والعظام والميتة والجلود، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلاّ الدخان من ظلمة أبصارهم من شدة الجوع، فأتاه أَبُو سُفْيَان بن حرب، فقال: يامحمد إنّك حيث تأمر بالطاعة وصلة الرحم، وإنّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم فإنّهم لك مطيعون. فقال الله تعالى: فقالوا: